السيد محمد تقي المدرسي
81
من هدى القرآن
ومشاكله لأخيه وبالتالي تتوفر الأجواء الملائمة للمناقشة وتبادل الأفكار مما يكون مناسبا لجمع الإمكانات والكفاءات المختلفة وإزالة الصعوبات ، فربما جلس أناس مؤمنون لبعضهم كي يأكلوا ، ولكنهم قاموا من على مائدة الطعام لينجزوا أعمالا عظيمة في سبيل الله . إن التجمعات الأسرية في الإسلام هي اللبنات الأولى والأساسية في صرح الصمود والتضحية في المجتمع الإسلامي ، فلا يستطيع الإنسان الصمود أمام تحديات الزمن وعنجهية الطغاة ، وتحقيق النصر لوحده ، ولكنه يستطيع ذلك حينما يجلس إلى أقاربه ومعارفه ويتفاعل معهم حيث يشعر بالقوة فيندفع بحماس لمواجهة كل التحديات . ولما في الجلوس إلى الموائد من فوائد اجتماعية عظيمة ، نجد الإسلام يشجع عليها ، ولو كانت العلاقات الاجتماعية في البلاد التي يحكمها الطاغوت متينة وفعالة لشل سيف الطغيان فيها ، لأن الطاغوت حينئذ لا يضرب واحدا واحدا ، وإنما يضرب أسرة أسرة ، والأسرة القوية المتفاعلة صخرة صماء لا تتفتت ، فلو وقف المجتمع بأسره المتعاونة مع بعضها عبر قياداتها لسقط الطاغوت المتسلط على رقاب الناس . ثم يبين القرآن الكريم حكما آخر يعطي العلاقات الاجتماعية حرارة ودفئا فيقول : أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ فإذا أعطى المالك مفتاح بيته لأحد ، يجوز له تناول الطعام الذي فيه - بالفحوى - لما ينبئ ذلك عن رضى قلبي . جاء في التاريخ : ( أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله آخَى بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا بَعَثَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي غَزَاةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ يَدْفَعُ الرَّجُلُ مِفْتَاحَ بَيْتِهِ إِلَى أَخِيهِ فِي الدِّينِ وَيَقُولُ : خُذْ مَا شِئْتَ وَكُلْ مَا شِئْتَ ، وَكَانُوا يَمْتَنِعُونَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى رُبَّمَا فَسَدَ الطَّعَامُ فِي الْبَيْتِ فَأَنْزَلَ اللهُ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً يَعْنِي حَضَرَ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ إِذَا مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ ) « 1 » . وأعطى الإسلام الصديق الوفي حكم القريب فقال : أَوْ صَدِيقِكُمْ وجاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام : « مِنْ عِظَمِ حُرْمَةِ الصَّدِيْقِ أَنْ جَعَلَهُ مِنْ الأُنْسِ وَالثِّقَةِ ، وَالانْبِسَاطِ وَطَرْحِ الحِشْمَةِ ، بِمَنْزِلَةِ النَّفْسِ وَالأَبِ وَالأَخِ وَالابْنِ » « 2 » . لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فبإمكان الأسرة أن تجتمع بأكملها حول مائدة الطعام ، أو يحضر أفراد منها فقط كأن يأكل الأخ مع أخيه والصديق مع
--> ( 1 ) وسائل الشيعة : ج 24 ص 283 ، تفسير القمي : ج 2 ص 109 . ( 2 ) تفسير نور الثقلين : ج 3 ، ص 627 ، تفسير جوامع الجامع للطبرسي : ج 2 ، ص 635 .